النويري

45

نهاية الأرب في فنون الأدب

وأين الملوك الَّذين أثاروا الأرض وعمروها ، قد بعدوا ، ونسي ذكرهم ، وصاروا كلا شئ . ألا إنّ اللَّه قد أبقى عليهم التّبعات ، وقطع عنهم الشّهوات ، ومضوا والأعمال أعمالهم ، والدّنيا دنيا غيرهم ، وبقينا خلفا بعدهم ، فإن نحن اعتبرنا بهم نجونا . أين الوضّاء الحسنة وجوههم ، المعجبون بشبابهم ! صاروا ترابا ، وصار ما فرّطوا فيه حسرة عليهم . أين الذين بنوا المدائن ؛ وحصّنوها بالحوائط ، وجعلوا فيها الأعاجيب ! قد تركوها لمن خلفهم ، فتلك مساكنهم خاوية وهم في ظلمات القبور ، هل تحسّ منهم من أحد ، أو تسمع لهم ركزا [ 1 ] ! أين من تعرفون من أبنائكم وإخوانكم ؟ قد انتهت بهم آجالهم ؛ فوردوا على ما قدّموا ، فحلَّوا عليه ، وأقاموا للشّقوة أو السّعادة فيما بعد الموت ؛ ألا إنّ اللَّه لا شريك له ، ليس بينه وبين أحد من خلقه سبب يعطيه به خيرا ، ولا يصرف به عنه شرّا إلا بطاعته واتّباع أمره . واعلموا أنكم عبيد مذنبون ، وأنّ ما عنده لا يدرك إلَّا بطاعته . ألا وإنّه لا خير بخير بعده النّار ، ولا شرّ بشرّ بعده الجنة . واللَّه سبحانه وتعالى أعلم .

--> [ 1 ] الركز : الصوت الخفي .